الرئيسية » مقالات حبر شفاه » الذكورية المفرطة تسبب عقم التفكير
الذكورية المفرطة تسبب عقم التفكير

الذكورية المفرطة تسبب عقم التفكير

#بلاصتك_في_الكوزينة (مكانك بالمطبخ) هكذا كانت الحملة البائسة اليائسة منذ سنتين ضد مبادرة للجري بمتنزه الصابلات (العاصمة الجزائر) في 09 جوان 2018 الموافق لليوم الخامس والعشرين من رمضان، إذ أطلق هذا الهاشتاج بسبب صور تم تداولها لبعض المشاركات يحملن فيها شعار #بلاصتي_ماشي_في_الكوزينة (مكاني ليس المطبخ) لتشن بعد ساعات من نشرها حملة تشويه دامت شهرا كاملا، طالت المشاركين والنشطاء كما لازال إلى يومنا بعد سنتين كل من وجعه رأسه يخرج هذه الصور ليتهجم على الفيمينست أو شخوص من يعارض أفكارهم أو من يتجرأ بنقد نظرة المجتمع للمرأة، وقد وصل الحال إقحامها وإستغلالها سياسيا بعض الأحيان لترهيب العقل الجمعي من قبل ضعاف النفوس وهناك من لا يعلم أصلا لما تمت هذه المبادرة أو لماذا رفع هذا الشعار!!

هذه المبادرة جاءت بعدما تعرضت له الفتاة الشابة المحجبة “ريم” وأركز على “المحجبة” عند ممارستها لرياضة الجري في وضح النهار بمرفق عام قبيل أذان المغرب من طرف شاب لا تعرفه ولا يقربها، حيث تهجم عليها بالإعتداء لفظيا وتحرش بها حد لمسها بحجة أنه صائم وقد أفسدت يومه وأردف بالقول ” بلاصتك فالكوزينة”، توجهت الفتاة بعدها إلى أقرب مقر للأمن لتقديم شكوى ضده لكن المسؤول هناك رفض قبول شكواها وزاد الطينة بلة أن هذا الأخير ألقى اللوم عليها وحملها مسؤولية ما حدث “وأنت علاه ما تقعديش في داركم”، نشرت الفتاة فيديو تروي ما حدث لها لتتناقل عدة صفحات الفيديو والخبر لتلاقي تعاطفا معها من البعض وذما من قبل أشباه صاحبهم المعتدي.

تم تناول الحادثة من قبل الإذاعة الإلكترونية  #Radio_M ، أين تم إستنكارها مع إقتراح تنظيم مبادرة بصورة حضارية لدعم “ريم” مع التنديد بالإعتداء والتحرش ضد المرأة والإحتجاج على التعامل المشين للمصالح الأمنية التي من أولى واجباتها خدمة المواطن وحمايته. لاقت هذه المبادرة تفاعلا إيجابيا فشارك العديد من المواطنين، عائلات، فاعلون بالمجتمع، كتاب، صحفيون وفنانون من مختلف الفئات والأعمار، إذ كان الموعد بالسادسة مساءا من التاريخ المشار إليه سابقا. إلتقى المشاركون الذين يقرب عددهم من 250 شخص قبل الموعد بقليل لتعطى إشارة الإنطلاق للجري مسافة كيلومترين ذهابا وإيابا، ليتم بعدها شجب ما جرى لريم وتبادل أطراف الحديث بين مختلف المشاركين حول الواقعة.

بعد فطور ذلك اليوم من رمضان، اشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي وتم تداول صور المبادرة بشكل واسع عبر العديد من الصفحات الفايسبوكية مرفوقة بتعليق لا يمت للحقيقة بصلة، فتنسب المبادرة للفيمينيست هنا والعلمانيين هناك، وإدعاء البعض أن هذا دعوة للإنحلال الأخلاقي، السفور وكسر حرمة رمضان أما التعاليق حدث ولا حرج لتصبح الضحية مدانة والمتعدي بطلا بأعين المجتمع الذكوري المريض نفسيا وإنسانيا.

جراء تضامن عفوي بمبادرة بسيطة لم ينظمها أو يدعوا لها أي تيار فكري؛ إديولوجي أو سياسي لاقى المشاركون السباب، الشتم، القذف وكيل التهم حد الشرف والعمالة، لتقام حملة مضادة تحت دعوى المرأة بلاصتها في الكوزينة ولا مكان آخر لها ضمن تعد على مفهوم حرية الآخر والتقليل من تضحيات المرأة التي يراها المنحط فكريا جسدا دون عقل وأداة جنسية تمتع الرجل أو خادمة مهمتها الأشغال المنزلية وتربية الأولاد. المشكل أن هذا الشخص نفسه من يدعي شرف أهله دون الغير وعهر الغير دون تمييز، يدعي الإيمان ظاهرا ولو كان غارقا ببحر من الشهوات والمعاصي حسب تصوره الديني، يلهث ولو خلف مكنسة تلبس باروكة من شعر، الأَمَر أنه نفس الذكر الذي لا يقبل إلا طبيبة تكشف عن زوجته خاصة إن تعلق الأمر بحمل أو ولادة…. للأسف هو شخص مكون من مجموعة عقد نفسية تسانده كثيرات في تعسفه ومنطقه كونهن يرين أنفسهن أقل منه والقوامة له لا لغيره وجهلت هو وهي بما استقصد مشايخهم إجتزاءه عمدا “بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم”، كما أنهما سواء مواطناتيا إتجاه الحقوق والواجبات.

جاء 22 فيفري 2019 وتبادر من كانت بالأمس “بلاصتها فالكوزينة” لتكون من أوائل المناهضين بكثرة ذلك اليوم ضد المُقال المستقيل وعهدة العار بمختلف أفكارهن، مهنهن، مراكزهن، إيديولوجياتهن، معتقداتهن، محجبات، متعجرات، غير محجبات، مجلببات، محافظات ومتحررات إخترن الشارع لأجل ذاك الشاب الذي يراهن نظرة دونية، صرخن بأعلى أصواتهن ضد الظلم لأجل إنصاف من يرى صوتها عورة، سجن بحثا عن دولة الحق والعدالة لأجل من يعتبرهن مواطنات من الدرجة الثانية، عنفن وسحلن وقاومن إعتقال البعض لكي لا يغرق مزيد من الشباب بالبحار، مشين ما يزيد عن العام لأجل من يراهن شيطانا بصورة إنسان، منهن من قاومن الإستعمار سجن، إغتصبن، و عانين لتنعم الجزائر بالإستقلال ، لويزات إغيل أحريز، جميلة بوحيرد…. وكثيرات هن الجميلات اللائي ناضلن ولازلن يفعلن ليكون جزاءهن التخوين، الذم، والقذف الذي لم تسلم منهن حتى أيقونات الثورة اللاتي شهد لهن العدو قبل الصديق بشجاعتهن منقطعة النظير….. كل هذا ليعيش هو وغيره بكرامة.

المرأة إنسان يتمتع بالحرية مثلك بكيان مرهف المشاعر والإحساس حقا، لكن يمكنها بمواقف الشدة والصعاب أن تصير قوة تجرف ما حولها بما فيه أنت من جعلتها للعهر عنوان، إنما العتب على عقم التفكير في زمن ذكورية إجترعت بشكل مفرط بمجتمع يسوده النفاق والتعصب، يرى الرجل نفسه المتحكم الوحيد في سلم المفاضلة والعنصر المسير لبوصلة التفكير كونه للأسف تم تخديره بتفسيرات إجتماعية ودينية تتمازج بين العصبية لذكورته والنظرة الأحادية في فهم النصوص وإسقاطاتها، لكن ما ينسف هذا التوجه ويضرب به عرض الحائط حجج تاريخية في شخصيات نسوية برزت في الديانات الإبراهيمية وكذا نجاحات النساء مما يحققن بجميع المجالات خاصة دراسيا ما يدل على ذكاء المرأة وقمة صبرها بمحيط يفرض ضغطا نفسيا عليها منذ الصغر بسبب الموروث وما يرسخه المجتمع من نظرة مجحفة متحجرة إتجاهها. دون تحاشي أن منهن من عاشت وطأة الإحتقار، العنف، الإعتداء والتحرش من عانين في صمت لازمهن إلى اليوم مع ذلك إخترن مواصلة الحياة رغم المرارة والألم… فكر بذلك فلن يأخذ شيئا أو ينقص منك إحترامك لها وتفكيرها فقط مهما كانت صفتها كائنا من كانت سيغير الكثير، ليتقدم المجتمع خطوة إلى الأمام.

لو لم تختر الرجولة أن تكون مؤنثا لجزمت بسبب عقمكم ذكوريتها، بينما إختارت جنس التأنيث لكي لا يقتصرها ويتملكها بعض الذكران بكل مطب.

محمد أمين قويدري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*